مصطفى صادق الرافعي

108

اعجاز القرآن والبلاغه النبويه

على أنه باب في الإعجاز على حدة « 1 » ، والغريب أنه لم يذكر فيه كتاب الواسطي ولا كتاب الرّماني ، ولا كتاب الخطابي الذي كان يعاصره ، وسنشير إليه ، وأومأ إلى كتاب الجاحظ بكلمتين لا خير فيهما ، فكأنه هو ابتدأ بالتأليف في الإعجاز بما بسط في كتابه واتسع ، وفي ذلك ما يثبت لنا أن عهد هذا التأليف لا يرد في نشأته إلى غير الجاحظ . على أن كتاب الباقلاني وإن كان فيه الجيّد الكثير ، وكان الرجل قد هذّبه وصفّاه وتصنّع له ، إلا أنه لم يملك فيه بادرة عابها هو من غيره ، ولم يتحاش وجها من التأليف لم يرضه من سواه ، وخرج كتابه كما قال هو في كتاب الجاحظ : « لم يكشف عما يلتبس في أكثر هذا المعنى » . فإن مرجع الإعجاز فيه إلى الكلام ، وإلى شيء من المعارضة البيانية بين جنس وجنس من القول ، ونوع وآخر من فنونه ، وقد حشر إليه أمثلة من كل قبيل من النظم والنثر ، ذهبت بأكثره وغمرت جملته ، وعدّها في محاسنه وهي من عيوبه . وكان الباقلاني - رحمه اللّه وأثابه - واسع الحيلة في العبارة ؛ مبسوط اللسان إلى مدى بعيد ، يذهب في ذلك مذهب الجاحظ ومذهب مقلده ابن العميد « 2 » ، على بصر وتمكن وحسن تصرف ، فجاء كتابه وكأنه في غير ما وضع له ، لما فيه من الإغراق في الحشد ، والمبالغة في الاستعانة ، والاستراحة إلى النقل ، إذ كان أكبر غرضه في هذا الكتاب أن « ينبه على الطريقة ويدل على الوجه ويهدي إلى الحجة » وهذه ثلاثة لو بسط لها كل علوم البلاغة وفنون الأدب لوسعتها ، وهي مع ذلك حشو ووصل . على أن كتابه قد استبد بهذا الفرع من التصنيف في الإعجاز ، واحتمل المئونة فيه بجملتها من الكلام والعربية والبيان والنقد ووفى بكثير مما قصد إليه من أمهات المسائل

--> ( 1 ) وهو مطبوع متداول . ( 2 ) هو أبو الفضل محمد بن العميد وزير ركن الدولة أبي علي حسن بن بويه الديلمي ، وكان يسمى الجاحظ الثاني ، لتمكنه من الأدب والترسل واتساعه في فنون الفلسفة حتى لم يكن في زمانه من يقاربه . وقد فضله الباقلاني في كتابه « إعجاز القرآن » على الجاحظ ، لإطالته في الترسل دون أن يستريح إلى النقل من كلام غيره كما يصنع الجاحظ : وهو رأي لا نرضاه ولا نقره . ولا محل هنا لبسط القول فيه . وقال ياقوت في معجمه من الكلام على بغداد : كان ابن العميد إذا طرأ عليه أحد من منتحلي العلوم والآداب وأراد امتحان عقله ، سأله عن بغداد ، فإن فطن لخواصها وتنبه على محاسنها وأثنى عليها ، جعل ذلك مقدمة فضله وعنوان عقله ، ثم سأله عن الجاحظ ، فإن وجد أثرا لمطالعة كتبه والاقتباس من نوره والاغتراف من بحره وبعض القيام بمسائله ، قضى له بأنه غرة شادخة في أهل العلم والآداب ، وإن وجده ذاما لبغداد غفلا بما يجب أن يكون موسوما به من الانتساب إلى المعارف التي يختص بها الجاحظ ، لم ينفعه بعد ذلك شيء من المحاسن . ا ه - . وتوفي ابن العميد سنة 360 ه - 971 م .